السلام عليكم اخوة وأخوات في الله ورحمة الله وبركاته وأهلاً وسهلاً بكم في موقع سنابل الخير للقرآن الكريم وحيّاكم الله واهلاً بكم جميعاً في هذا الموقعٌ الخيريُّ الغيرُ ربحيٌّ القائم على منهج السلف الصالح المتمثلُ بخير البريّة نبينا الكريم " محمد بن عبد الله" صلوات ربي وسلامه عليه , وها نحنُ اليوم نستقبل الاول من شهر الله المحرم في العام الهجري الجديد "1439" سائلين المولى عزوجل أن يتقبل منا جميعا أعمالنا الصالحة لعام 1438 المصرم ... اللهم آمين.. سبحانّ ربّكَ ربِّ العزَّة عمّا يصفونَ * وسلامٌ على المرسلينَ * والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

جديد الموقع
محاور سور القرآن الكريم
الموسوعة الإلكترونية الشاملة


مدرسة الصحابة والصحابيات
الحسن والحسين رضي الله عنهما


مقــــــــــــالات عـــــــــــامة
مجوس هذه الأمة


في رحاب آية كريمة
مكان مجمع البحرين


من الهدي النبوي المبارك
الانبياء والرسل حسب ترتيبهم الزمني


القصص القـــرآني الكريــــم
سورة الأعراف- قصة أصحابُ السبتِ


سير التابعيـــن وتابعيــــهم
أُويس بن عامر المرادي القُرني


ملف مرض القلوب
أبرز صفات المنافقين في كتاب الله عزوجل


أهوال يوم القيامة
سلسلة نهاية العالم - المعركة الكبرى


اعجاز القرآن الكريم
حساب الجمل عند اليــــهود


الاسلام والايمان في القرآن
أركـــــان الايمــــان


مبشرات السعادة القرآنية
مكانة العقل في الإسلام


قصيدة نونية القحطانية
قصيدة نونية القحطانية بصوت الشيخ هاشم نور


شرح الأربعون النووية بايجاز
حديث 42 والأخير الاخلاص والمغفرة


تفسير القرآن الكريم كاملا
تسجيلات الشعراوي رحمه الله


الفتوحات الاسلامية المباركة
غزواته صلى الله عليه وسلم مرتبة ترتيبا زمنيا


سيرة العمرين الامامين العادلين
احذروا هذه الرواية المفتراة على الفاروق عمر رضي الله عنه


أهم المساجد في العالم الاسلامي
شاهد المسجد الأقصى رأي العين


كتاب يوم الجمعة المباركة
يوم الجمعة يوم عبادة وذكر وليس بيوم غضب وتحدي كما يبتدعون


كتــــــاب الصــــــــــــــــيام
رمضان ربيع الحياة الاسلامية


احكام وفتاوى منقولة
هل يشعر المتوفي بزائريه ؟


صوتيات ومرئيات -
الملحمة الكبرى " أرمجيدون"


مداخل الشيطان على الانسان
صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة


كتـــــــــــــــــاب الحـــــــــــــــج
هل فريضة الحج تُكفِّرُ الكبـــائر؟


كتــــــــــــــــــا ب التذكـــــرة
الجزء السابع: بيان أحوال الميت في القبر,


مدرسة الصحابة والصحابيات
أبو الدرداء


 بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري
 
 
فيلسوف وحكيم الاسلام الأول

من أراد أن يُعطي العبادة حقها فليقرأ قصة هذا الصحابي الجليل الذي كان عدوا للثروات وبغْيِ الحكام ، انه أبو الدرداء رضي الله عنه،  صحابيا جليلا من الرعيل الأول الذين تربَّوا في جامعة العقائد الاسلامية وعميدها حبيب الله ونبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وخير البرية اطلاقا، اللهم صلي وسلم وبارك على السراج المنير المرسل من ربه سبحانه وتعالى رحمة للعالمين.

اسلامه رضي الله عنه

كان رضي الله عنه آخر اهل داره اسلاما، وبقي متعلقا بصنم كان يعبده بالجاهلية على الرغم من أنّ  عبد الله بن رواحة رضي اله عنه أخيه في الجاهلية قد سبقه الى الاسلام, ,اخذ يدعوه الى عبادة الله تعالى الها واحدا لا شريك له ، وعندما لم يذعن لدعوته, فقد لجأ ابن رواحة رضي الله عنه أن يلقن أبو الدرداء درسا لعله يهتدي به الى نور الله تعالى، وكلما عاد أبو الدرداء الى بيته يجد صنمه محطما ’ ةعندما يسأل امرأته عمّن حطم له صنمه فتقول له: اخوك ابن رواحة من فعل ذلك، فيغضب غضبا شديدا، ثم وفي آخر مرة جلس يفكر لبرهة يحدث نفسه ويقول: لو كان عند هذا الصنم خيرا لدافع عن نفسه، من هذا المنطلق منطلق التفكر ينطلق أبو الدرداء الى رسول الله  صلى الله عليه وسلم برفقة أخيه ابن رواحة رضي الله عنهما ويعلن اسلامه.
 
نصيحة غالية
 
حين يتحدث أبو الدرداء رضي الله عنه عن أمرٍ ما، فهذا يعني أنّ هناك امراً هاما، لذا فانَّ أعناق الناس تشرئب للانصات اليه، فهو رضي الله عنه حكيم تتفجر من جوانبه الحكمة، وكان رضي الله عنه لا يفتأ أبدا بأن يقدم لأصحابه نصائحه الغاليات، فذات يوم يقول رضي الله عنه لصحبه الكرام: ألا أخبركم بخيرأعمالكم وأزكاها عند بارئكم، وأنمأها في درجاتكم، وخير من أن تغزو عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم، وخير من الدراهم والدنانير؟ قالوا: واي شيء هو ذاك يا أبو الدرداء؟ قال رضي الله عنه ووجهه يتألق تحت ضوء الايمان والحكمة نورا: ذكر الله، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 
هوايته التفكر والاعتبار

والآن تعالوا بنا نقترب من هذا الحكيم المتألق ونرنو الى الضياء والنور الذي يتلألأ حول جبينه رضي الله عنه، واشتموا العبير الفواح القادم من ناصيته الشمَّاء، انه ضياء الحكمة، وعبير الايمان.

واذا التقى كل من الايمان والحكمة في حياة رجل، فلنا أن نحكم عليه أنه أوّاب وسعيد، وأي سعادة لذلك الرجل الذي حين سألوا أمه عن أفضل ماكان يحب من عمل؟ أجابت: التفكر والاعتبار، ألم يكن التفكر والاعتبار سمتين  من سمات المؤمن الصادق؟ أجل! وفيهما يقول الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران 190: انَّ في خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلاف الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأُولي الألباب* الذين يذكرونَ اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرونَ في خلقِ السمواتِ والأرضِ، ربنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانكَ فقنا عذابَ النارِ

فمن هذا الآية الكريمة أخذ رضي الله عنه التفكر ، ومن قوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار... اخذ الاعتبار.
 
شعاره رضي الله عنه
ان الله تبارك وتعالى لم يُنزِّل كتابه الكريم ليُوضع على الأرفف فيتدكس عليه الغبار , ولا لنعلقه كديكور في تزيين البيوت من حيطان ومكتبات وما الى ذلك، بل نزل كي يتدارسه المؤمنون ويتفكرون فيه ويعتبروا، فيُحللون حلالَه ويُحرمون حرامه ويحكمون بهِ، ولأن أبا الدرداء رضي الله عنه ينظر الى كتاب الله تعالى تلك النظرة التي نزل القرآن لأجلها فقد أخذ على عاتقه حمل الرسالة  جنبا الى جنب مع النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ يحض أصحابه الكرام رضي الله عنهم على التأمل والتفكر، رافعا شعاره عاليا: تفكُّرِ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ليلة.
 
الرسالة أمانة

ان الرسالة العظيمة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لم تنزل ليأخذ بها النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولو كان الأمر كذلك لاندثرت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، ولكنها رسالة أمانة معلقة في عنق كل من يشهد بأنه لا اله الا الله وحده لا شريك له، وكلنا يجب أن نكون أهلا لحملها ندعو الناس الى عبادة الله تعالى الفرد الصمد على بصيرة، فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قبل ان يعرض الله عزوجل الأمانة ( الطاعة، الفرائض) على آدم عليه الصلاة والسلام عرضها على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها وقال لآدم عليه السلام : اني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يُطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب ! وما فيها؟ قال: ان أحسنتَ جُزيتَ، وانْ أسأتَ عُوقبتَ، فأخذها آدم عليه السلام فحملها، وذلك قوله تعالى خواتيم الاحزاب: وحملها الانسانُ انهُ كان ظلوماً جهولاً

اقرؤوا معي قوله تبارك وتعالى لماذا سبحانه وتعالى حمَّل الانسان هذه الأمانه:

انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأ بين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان،  انه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورا رحيما

 ان هذا االانسان الذي أمامنا (أبو الدرداء) كان قد سما في العلياء بعبادته لله الواحد القهار، ذلك أنه لم يرنو الى العبادة على أنها مجرد تكاليف تؤدى ومحظورات تُترك، ولو كان الأمر كذلك لجمع بين تجارته وأعماله، ورغم أنه كان هناك في ذاك العالم الفسيح الأرجاء من تجار صادقين وصالحين وأنّ الكثير منهم من جمع في المجالين (العبادة والتجارة) وبرعوا فيهما وخدموا قضية الاسلام الخالدة وكفوا بأموالهم ذوي الحاجات الا أن منهجهم لم يغمز منهج أبو الدرداء ولا منهجه غمز منهجم رضي الله عنهم جميعا، فكلّ ميسّر لما خلق له. ولعل الملائكة الساجدين لعظمة الله تبارك وتعالى مذ خلقهم الى قيام الساعة لم يرفعوا رؤوسهم عن الأرض قط، ومع ذلك نجدهم يقولون يوم القيامة حين يأذن الله لهم برفعها: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك، لأجل هذا ترك أبو الدرداء تجارته ليتفرغ لعبادة الله وحده، وما تخصصه في البحث عن الحقيقة بممارسته لأقصى حالات التبتل الا وفق الايمان الذي هداه الله اليه ونمّاه فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بنعمة الاسلام، ولنا أن نُسمي  هذا الرجل ان شئنا بالعّباد والزاهد, ولكنّ زهده زُهدَ رجل توافرت له فطنة المؤمن الحق،، ومقدرة الفيلسوف، وتجربة المحارب، وفقه الصحابي، وما دمنا نتحدث عن الزهد والذي يكاد أن يكون مفقودا في هذا الزمان، زمان الماديات والوهن الذي أصاب الأمة في مقتل، زمان الموبايلات والتجول في الأسواق والسهر على لعب الورق والانتقال بين أروقة المواقع الاباحية على شبكات الانترنت, تعالوا معا ننهل من نبع ايمان هذا الرجل الصافي،  لندرك معنى العبودية على حقيقتها كيف تكون،ها هو رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلميذه، هذا الرجل الذي دفع الدنيا بكلتا راحتيه وبصدره وبكل ما أوتي من قوة لأجل أن يقهر نفسه ويتغلب عليها حتى اذا صقلها وزكاها غدت مرآة صافية انعكس عليها من الحكمة والصواب والخير ما جعله معلما عظيما وعبقريا يحذونا الأمل والشوق بأن نقترب من حكمته ونغرف من فلسفته تجاه الدنيا السراب وتجاه مباهجها وزخارفها الفانية لنلمس الى مدى قول الله تبارك وتعالى: ويل لكل همزة لمزة* الذي جمع مالا وعدده* يحسب أنّ ماله أخلده* كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما ا لحطمة* نار الله الموقدة* التي تطلع على الأفئدة* انها عليهم مؤصدة* في عمد ممدّدة.....  قد أثر فيه رضي الله عنه؟

سورة عظيمة لخَّصت مصير كل من يهفو الى الثروة والثروات، كل من يجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، ولو أنّ القرآن الكريم لا يحوي سوى هذه السورة تتحدث شر المال وجمعه , لو الله لكفتنا، لأجل ذلك تأثر بها أبو الدرداء رضي الله عنه وعادى كل صاحب ثروة ألْهتْهُ وأنستهُ  ذكر الله تعالى، حاملا على عاتقه قول النبي صلى الله عليه وسلم: انّ ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وقوله صلى الله عليه وسلم: تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فانه من كانت أكبر همّه فرَّق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همّه،جمع شمله وجعل غناهُ في قلبه، وكان الله اليه في كل خير أسرع.

لأجل ذلك كان رضي الله عنه يرثي أولئك الذين وقفوا أسرى طموح الثروة، وتعوذ بالله العظيم قائلا: اللهم اني أعوذ بك من شتات القلب، وحين سئل عن شتات القلب، أجاب رضي الله عنه: أن يكون لي في كل واد مال.

انظروا الى هذا الحكيم الزاهد الورع وهو يدعو الناس الى امتلاك الدنيا والاستغناء عنها في آن واحد، ويعتبر أن الامتلاك الحقيقي للثروة هو استغلالها بما يرضي الله عزوجل ، أما الجري وراء أطماعها التي لا تنتهي فذلك شر ألوان العبودية والرق، لذا كان رضي الله عنه يقول: من لم يكن غنيا عن الدنيا فلا دنيا له.

لماذا قال رضي الله عنه كل هذا؟ لأنّ المال عنده كان وسيلة وليس غاية، وسيلة للعيش القنوع وحياة الكفاف ,  لا غاية لوجوده وتكديسه وجمعه وعدّه، ومن ثم موته وتركه لمن خلفه يستمتعون به , وبالتالي وحده يُسألُ عنه أمام الله عزوجل, فكل شيءٍ يثسألُ عنه العبدُ مرةً واحدة الا المال مرتين: من أين اكتيبتهُ وأينَ أنفقتهُ, او كما في الحديث, فقد كان رضي الله عنه مؤمنٌ بالقناعة على أنها كنز لا يفنى، ومؤمن بقليل يكفيه خير من كثير يُطغيه، وقليل يُؤدي شكره  خيرٌ من كثير لا يُطيقه، وكان كثيرا رضي الله عنه ما يوصي أخلاؤه: لا تأكلوا الا طيّبا، ولا تكسبوا الا طيّبا، ولا تدخلو بيوتكم الا طيّبا.

حتى انه ذات يوم كتب الى صاحب له هذه الموعظة : أما بعد.... فلست في شيء في عرض الدنيا الا وقد كان لغيرك قبلك، وهو صا ئر لغيرك بعدك، وليس لك منه الا ما قدّمت لنفسك، فأثرها على من تجمع المال له من ولدك ليكون ارثا، فأنت انما تجمع لواحد من اثنين: اما ولد صالح يعمل منه بطاعة الله فيسعد بما شقيت به، واما ولد عاص يعمل بمعصية الله فتشقى بما جمعت له.

كانت الدنيا كلها في عينيه مجرد عا رية، لقد كان يخشى على المسلمين أياما تنحل فيها عرى الايمان، وتضعف من روابطهم بالله وبالحق وبالصلاح، فتنتقل العارية من أيديهم بنفس السهولة التي انتقلت بها اليهم، ولعل هذه الأيام التي نعيشها هي تلك الأيام التي كان يخشاها على المسلمين رضي الله عنه.

قوة يقينه بالله تبارك وتعالى

وكما كانت الدنيا كلها مجرد عارية في يقينه، كذلك كانت جسرا في حياة أروع وأبقى، ويقينه بالله لا يحده حد، وما كان يمليه عليه النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن به دون نقاش، وكيف لأبو الدرداء ألا  يؤمن ويقوي يقينه بالله تبارك وتعالى وهو يتلو آيات الله آناء الليل وأطراف النهار: انهُ لقولِ رسولٍ كريمٍ* وما هو بقولِ شاعرٍ، قليلاً ما تُؤمنونَ* ولا بقولِ كاهنٍ، قليلاً ما تذكَّرونَ* تنزيلٌ من ربِّ العالمينَ.

ذات يوم جاءه رجل فقال له انَّ بيتك قد احترق،  فأجابه رضي الله عنه اجابة المتيقن الواثق بالله تعالى: ما احترق، وجاءه ثانٍ وقال له: انَّ بيتك يحترق، فأجابه رضي الله عنه بنفس الثقة العالية بالله تعالى: ما احترق، فجاءه ثالث وقال له: انّ النار قد انبعثت حتى اذا انتهت الى دارك انطفأت، فقال رضي الله عنه: ذلك أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات، من يقولهن حين يُصبح وحين يمسي لا تصبْهُ مصيبة أبداً فتعلمونهنّ:

اللهم أنت ربي لا اله الا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش الكريم، ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، أعلم أنّ الله على كل شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم اني أعوذ بك من شرّ نفسي  ومن شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها انّ ربي على صراط مستقيم.

وكان رضي الله عنه يقول: احذروا امرىءٍ تبغضُهُ قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، فذروة الايمان الصبرللحكم، والرضا بالقدر، والاخلاص في التوكل، والاستسلام للرب عزوجل،

ذات يوم دخل عليه أصحابه عليه رضي الله عنهم يعودونه في مرض قد ألمّ به، فوجدوه نائما على فراش من جلد، فقالوا: لو شئت كان لك فراشا أطيب وأنعم، فأجابهم وهو يشير بسبابته وبريق عينيه صوب الأمام البعيد:

 أن دارنا هناك، لها نجمع واليها نرجع، لها نظعن، ولها نعمل.

لم تكن نظرته الى الدنيا بسخافتها وجهة نظر فحسب، بل كانت منهجا وسلوكا, لقد وهبه الله العمر الطويل,وخير بني آدم من طال عمره وحسن عمله.

لقد عاصر رضي الله عنه حكم العصر الأموي، وعندما تقدّم يزيد بن معاوية خاطبا ابنته الوحيدة الدرداء ردّه ولم يقبل به زوجا لابنته، ولكن عندما تقدّم لها أحد فقراء المسلمين ، زوجّها اياه بدون تردد، فتعجّب الناس من صنيعه ذاك، ولم ينتظر رضي الله عنه سؤالهم اياه لم فعلت ذلك، بل قال: ما ظنُّكُمْ بالدرداءِ اذا قام على رأسها الخدمُ والخِصيان، وبَهَرها زخرُفَ القصور؟ أينَ دينُها منها يومئذٍ؟
فلحَتّ يا أبو الدرداء وأحسنت الاختيار والاجابة, فرضي الله عنك , وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاك , القائل: فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ ترِبَتْ يداكَ

أجل يا أبا الدرداء! هو ما تقوله ياحكيم وفيلسوف الاسلام الأول، وما قاله رضي الله عنه وربي ينطق بالحكمة والموعظة، وانه لبحق قويمُ النفس، ذكيُّ الفؤاد، وبتصرفه هذا لا يهرب من السعادة قط ، بل انه يمتلكها وبحق، ويفرُّ بها الى سعادة الدارين الدنيا والآخرة معا.

ذلك أنه كلما وقفت مطالب الناس في الحياة عند حدود القناعة والاعتدال، كلما أدركوا حقيقة الدنيا وحقارتها ، ولو يعلمُ العاقلون بأنّ الدنيا ممَّر،لربما تبدّلَ حالُ الأمةِ من حالٍ الى حال , وما وصل بها الى هذا الانحطاط والانحدار.

انّ قمة السعادة للعبد الصالح الذي يكون قلبه مُعلق بالآخرة هو ما ينتهجه أبو الدرداء رضي الله عنه، ومن سار على خطى من رباهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فباعوا دنياهم بآخرتهم، واشتروا آخرتهم بدنياهم , فوربّ العزة ما استقوى عليهم ظالم, وكيف سيستقوي عليهم وربّ العزة تبارك وتعالى يقول في محكم تنزيله الكريم: انْ تنصروا الله فلا غالبَ لكم.

 ولو نظرنا الى حقيقة الدنيا لوجدناها كجسرٍ نعبر منه وعليه  للآخرة، الى دار القرار , دار الخلد، والخلد هو احدى طريقين: اما نار واما جنة، واللبيب من يختار، فقمة السعادة لن تتأتى لا من مالٍ كثير، ولا من ولدانٍ وقصورٍ وعروش، فليس الخير في كثرة المال والولد، وانما الخير كل الخير أن يعظم الحلم، ويكثر العمل، وتتبارى النفس في عبادة الله تبارك وتعالى القائل في سورة التوبة 55
  فلا تُعْجِبُكَ أموالُهُمْ ولا أولادُهُمْ , انما يُريدُ اللهُ  لُيُعذبَهُم بها في الحياةِ الدُّنيا وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كافرونَ
ولقد اخبر الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه ب: أنّ الله تعالى لا ينظرُ الى صوركم ولا الى أجسامكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم.
هؤلاء هم المخلصون في العبادة، هؤلاء هم الذين يُحبون الله تبارك وتعالى بكل صدق واخلاص، هؤلاء هم الذين يرنون للآخرة وبشوق، هؤلاء هم الذين طلقوا الدنيا ثلاثا طلاقا بائنا لا رجعة فيه، هؤلاء وليس نحن من لا يغادر النوم فراشنا الا ونحن نتصارعُ على السلطة والثروة المركز والجاه, لا نبرحُ ونحنُ نُحصي ونعدُّ أرصدتنا في البنوك , وكأننا سنعيش لدنيا هي بنظرنا دنيا الخلود متجاهلين قوله تبارك وتعالى في سورة الروم 55: ويومَ تقومُ الساعةُ يُقسمُ المجرمونَ ما لبثوا غيرَ ساعةٍ , كذلكَ يُؤفكونَ 
 ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما ترك على ظهرها من دابة، وفي رواية: ما سقى منها كافر شربة ماء..او كما قال عليه الصلاة والسلام

منْ يشتري تِركةَ عادٍ بدرهمينِ؟

نعود الى فيلسوفنا الأول أبو الدرداء والذي كان على عهد معاواية يتولى القضاء في الشام , ولنرى ماذا صنع أثناء خلافة عثمان رضي الله عنهم جميعا , لقد كان معاوية أثناء خلافة عثمان أميرا على الشام، وأبو الدرداء كان يتولى القضاء فيها، وهناك وقف أبو الدرداء لمعاوية ولكلِّ الذين أغرتهم مباهج الدنيا بالمرصاد ، وراح يُذكّر بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياته وزهده وجوعه، وعزوفه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا، من باب أن يكون لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وراح يُذكر بمنهج الرعيل الأول من الشهداء والصديقين، والشام كانت يومئذ تموج بالمباهج والنعيم، وكان أهلها قد أحدثوا كثيرا في أمر دينهم ودنياهم ، فجمعهم رضي الله عنهم في غوطة دمشق ( 10 كم عن دمشق)  وقام فيهم خطيبا فقال:

يا اهل الشام! أنتم الأخوان في الدين والجيران، في الدار والأنصار على الأعداء، ولكن مالي أراكم لا تستحْيون؟ تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وترجون مالا تبلغون، وقد كانت القرون من قبلكم يجمعون فيُوعون، ويبنون فيُوثقون، فكان جمعهم بورا، وآمالهم غرورا، وبيوتهم قبورا، أولئك قوم عاد ملئوا ما بين عدن الى عمّان أموالا وأولادا.

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ساخرة ولوّح بذراعه للجمع من حوله، وصاح في سخرية لافحة: منْ يشتري مني تِركة آل عاد بدرهمينِ؟

انك حقا لرجل باهر يا أبا الدرداء! رائع مُضيء بحكمتك، مُؤمنٌ باحساسك ومشاعرك، ورع بمنطقك السديد ونظرتك الثاقبة الرشيدة، ولكم نحتاج الى أمثالك في هذا الزمن الذي طغت فيه المادة على كل شيء في حياتنا أيها الجبل الأشم، كم نحن بحاجة اليك كي تُعلم الطامعين اللاهثين وراء سرابٍ لا يُسمن ولا يُغني من جوعٍ أنّ الدنيا فانية، انها دارُ مَن لادار له، ولها يجمعُ مَن لا عقل.

كم نحن بحاجة اليك ولامثالك كي تعلمنا بأنّ العبادة ليست غرورا ولا تأليا، بل التماسا للخير، وتعرّض لرحمات الله، وضراعة دائمة تذكر الانسان بضعفه وبفضل ربه وخالقه عليه، وهذا ما أكده أبو الدرداء رضي الله عنه حين قدّم نصائحه لأمته فقال: التمسوا الخير دهركم كله، وتعرّضوا لنفحات رحمة الله، فانّ لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يسترعوراتكم، ويؤمّن روعاتكم، ومثقال ذرة من برِّ صاحب تقوى ويقين، خير وأرجح من أمثال الجبال من عباده المغرورين.

مرّ أبو الدرداء رضي الله عنه يوما على رجل قد أصاب ذنباً والناس يسبُّونَهُ فنهاهم عن ذلك وقال: أرأيتم لو وجدتموه في حفرة ألم تكونوا مُخرجيه؟ قالوا: بلى! قال رضي الله عنه: فلا تسبّوه، واحمدوا الله أنْ عافاكم، قالوا: أنبغضُهُ؟ قال رضي الله عنه: انما ابغُضوا عمله، فاذا تركُهُ فهو أخي.
ألم أقلْ لك يا أبا الدرداء كم نحتاجك لتعلمنا الحكمة, فالأمة اليوم غدّت تكرهُ بعضها بعضاً لأجل المال وليس لأجل العمل السيء, ليس لأجل ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن, وانما لأجل لمعان الذهب وبريق الفضة.

حبه للعلم

كان رضي الله عنه يُقدّس العلم تقديسا بعيدا، يُقدسه كعابد، ويُقدسه كحليم. وكان دائما يقول: الناس ثلاثة: عالم ومتعلم والثالث همج لا خير فيه، واني لأخشى ما أخشاه على نفسي أن يُقال لي يوم القيامة على رؤوس الخلائق: يا عُويمر ! هل علمت؟ فأقول: نعم! فيُقال لي: فماذا عمِلتَ فيما علمْت؟  وكان كثيرا ما يدعو الله قائلا: اللهم اني أعوذ بك أن تلعنني قلوبُ العلماء، قيل له:  وكيف تلعنُك قلوبُهم؟ قال رضي الله عنه: تكرهُني.

من أقواله وحكمه

*  مُعاتبك اخيك خيرٌ لك من فَقدهِ، أعطِ أخاك ولِنْ له، وكيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة وما كنت أديْت حقَّهُ، اني أبغض أن أظلم أحدا، وأبغض أكثر وأكثر أن أظلم من يستعينُ عليّ الا بالله العلي القدير.

اني أخاف عليكم شهوة خفيّة في نعمة ملهيّة، وذلك حين تشبعون من الطعام وتجوعون من العلم، انّ خيركم الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نصوم قبل أن نموت، وانّ شراركم الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نأكل ونشرب ونلهو قبل أن نموت، واني لأحب ثلاثة أشياء,  الناس كلها تكرهها، أحب الفقر والمرض والموت، أما الفقر فهو تواضعا لربي، وأما المرض فهو تكفيرا لخطيئتي، واما الموت فهو اشتياقا الى ربي.

* اثنتين وثلاثة وأربعا وخمسا: من عمل بهنَّ كان ثوابه على الله عزوجل الدرجات العلى، لا تأكل الا طيِّباً، ولا تكسب الا طيِّباً، ولا تُدخلَ بيتك الا طيِّباً، وسل الله عزوجل أن يرزقك يوما بيوم، واذا أصبحت , فاعدُد نفسك من الأموات أو كأنك لحقت بهم ، وهب عرضك لله عزوجل: فمن سابَّكَ أو شتمكَ أو قاتلكَ,  فدعهُ لله عزوجل، واذا أسأتَ فاستغفر الله عزوجل.

* يا أخي اجعل بيت الله بيتكَ , فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المسجد بيتَ كلِّ تقي، وقدْ ضمن الله عزوجل لمن كانت المساجدَ بيوتهم بالرواح والراحة، فاز بجوازِهِ على الصراطِ الى رضوان الله عزوجل، ويا أخي: ارحمْ اليتيم وادنِهِ منك , وأطعمْهُ طعامك، فاني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ادنُ اليتيم منك وامسحْ رأسه، وأطعمْهُ من طعامك، فانَّ ذلك يُليّنُ قلبك، ويُقدرك على حاجتك، واعمل بطاعة الله، فانّ العبد اذا عمل بطاعة الله أحبَّه، واذا أحبَّهُ حبّب عبادِه فيه، واياك من معصية الله، فانّ العبد اذا عملَ بمعصية الله أبغضَهُ الله، واذا أبغضَه بغَّضَهُ الى خلقِهِ.

هذا هو أبو الدرداء رضي الله عنه الحكيم الزاهد العابد الأوّاب، هذا أبو الدرداء الذي كان يُجيبُ في تواضع وثيق، وكلما أطَرَتْهُ الناس وسألوه الدعاء قال:
 لا أُحسنُ السباحةَ وأخشى الغرَقَ

واذا كنت هكذا مع كل ما قرأناه عن سيراك العطرة يا أبو الدرداء ولم تُحسن العوم وتخشى الغرق، فما نحنُ صانعين بأنفسنا اذن؟ فما نحن صانعين وقد أصبحت الدنيا اكبرَ همّنا ومبلَغَ عِلمِنا؟

 فرضي الله تعالى عنك وأرضاك يا أبا الدرداء ، وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاك, صلاة وسلاما دائمين متلازمين الى يوم الديــــــــــــــــــــــــــــــــن.
 
               ما أصبت به فمن الله عزوجل وحده وما أخطأت غمن نفسي الخاطئة ومن الشيطان
 
                            لا تنسونا من خالص دعاؤكم ولكم مثله ان شاء الله تعالى
 
والله تعالى وحده اعلم بغيبه
<< اذهب الى سجل الزوار
<< اذهب الى سجل الزوار
مفهوم الصلاة من الكتاب والسنة شروط أوقات الصلاة فتاوى تتعلق بالصلاة
احاديث لا تصح حكم ذبائح أهل الكتاب تفسير القرآن
المصحف الالكتروني حكم التجارة في البورصة شرح فقه النوازل
ضوابط فقه النوازل احصاءات قرآنية سنابل الخير للاعشاب
المحرمات من النساء الناسخ والمنسوخ نداء الايمان
السيرة النبوية الروح للتفسير معاني الأسماء الحسنى
بنك الفتاوي س ج كل شيء عن الفرق فقه الطهارة
قصص مترجمة الموسوعة الشاملة كتاب الفتن
علوم القرآن كتاب الكفاية الحكم في الاسلام
فتاوي الزواج الحج بعدة لغات توزيع الميراث
ملف الارحام أحكام الغُسُل كتب السنة
احاديث موضوعة الاسلام بعدة لغات موقع كحيل
شبكة المنهل التعليمية نصرة رسول الله ص
عدد زوار الموقع :