|
بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري
الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات, والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه،وبعد
قبل أن نُجيب على سؤال : هل هناك دعاء مخصوص لحفظ القرآن الكريم؟ تعالوا بنا نستعرض هذه المفاهيم أولا, ونبين ما هو الدعاء؟
الدعاء هو مخ العبادة, هو مناجاة العبد لخالقه سبحانه وتعالى , وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ الدعاء هو العبادة , وقد استمد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من قوله تعالى في سورة غافر 60 وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
أخي / اختي في الله ما أجمل أن يعيش المؤمن بين الدعاء والقرآن؛ فيدعو الله أن يُيسر له حفظ القرآن وتلاوته، فتلاوة القرآن يشمل الذكر والدعاء معا؛ وهل هناك أجمل من وصف السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها للرسول صلى الله عليهوسلم : أنه عليه الصلاة والسلام كان قرآنا يمشي على الأرض؟
إن المؤمن موصول بالله تعالى؛ فهو يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء في كل أحواله وأموره, في السر والعلن, في السراء والضراء, في الشدة وفي الرخاء, وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في كل تلك الأحوال, وقد أمرنا الله عزوجل بالدعاء ووعدنا الإجابة ان نحن استجبنا لأمره, وحذرنا من العزوف عن الدعاء بجهنم وبئس المصير, فقال عز وجل في سورة غافر 60
وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَعَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
والدعاء هو أكرم شيء على الله تبارك وتعالى، تماما كقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الترمذي وحسّنه ابن ماجه: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء, وذلك لأن في الدعاء من ذلِّ الحاجة والافتقار لله تبارك وتعالى , والتضرع والخضوع له عزوجل , والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى ما يُظهر حقيقة العبودية لله عزوجل
وإذا كان هدفنا من الدعاء تحقيق عبادة أخرى كحفظ القرآن الكريم , فلا شكّ أنّ هذه العبادة هي من أسمى العبادات وأجلها وأفضلها, ذلك أنّ الغاية تبلغ درجة عالية من السمو والفضل
والدعاء ثلاثة أنواع
دعاء من القرآن الكريم , ودعاء مأثور وهو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ودعاء غير مأثور وهو ما يدعو به المسلم مولاه عزوجل بأي لفظ أو صيغة , ومن رحمة الله عز وجل بعباده أنه سبحانه وتعالى فتح أمامنا الدعاء بأي صيغة وأي لفظ ما لم يتداخله معصية أو قطيعة رحم، ومن رحمته سبحانه وتعالى بنا أنه لم يشترط علينا ألفاظا مخصوصة للدعاء، اللهم إلا ما ورد من مأثورات عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف تيمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعاً لسنته عليه الصلاة والسلام, من منطلق قوله تعالى في سورة آل عمران 31: قلْ انْ كنتمْ تُحبّونَ اللهَ فاتبعوني يُحببكُمْ الله
ومن منطلق قوله تعالى في سورة الحشر 7: وما آتاكمْ الرسولَ فخذوهُ
وما عدا ذلك فليدعُ كل منا بما شاء وكيفما شاء، ففينا المتعلم وفينا الأمي وفينا الجاهل وفينا دون ذلك , فالله عزوجل قادر علام الغيوب لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , وهذه الفروق كانت موجودة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالنسبة لما تتناقله الشبكة العنكبوتية من تساؤلات وأطروحات بخصوص دعاء معيّن لحفظ القرآن الكريم , فاننا نقول بأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ دعاء معين في حفظ القرآن الكريم، ولمن ينوي حفظ كتاب الله عزوجل عليه أن يدعو بما تيسّر له من الدعاء وبالصورة التي يجيدها ويحفظها, فالله عزوجل يعلم كل شيء في هذا الكون ويعلم ما نُسرُّ ومن نُعلنُ في صدورنا وما ننوي عليه, يقول تعالى في سورة البقرة 283
وانْ تُبدوا ما في أنفسكُمْ أو تُخفوه يُحاسبكمْ بهِ الله, فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
وهناك رواية ضعيفة جداً لحديث وردت عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهي التي يُوصي فيها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما شكا علي رضي الله عنه اليه صلى الله عليه وسلم أنه يجد صعوبة في حفظه للقرآن؛ فأوصاه عليه الصلاة والسلام : بصلاة أربع ركعات ، ثم يدعو بدعاء معين مذكور في هذا الحديث. الا أنّ مجموعة من العلماء الحديث أكد بأن هذا الحديث موضوع ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم
ومن هذا المنطلق ندعوك أخي / اختي في الله بأن ندعو الله عزوجل بما تيسر لنا حفظه من الدعاء بأي لفظ وأي صيغة نجدها , شريطة الالتزام الكامل بآداب الدعاء، وأهمها عدم الاعتداء في الدعاء , كأن ندعو باثم أو قطيعة رحم , أو أن نسأل الله عزوجل أن يحقق لنا أمراً لم نُهيءُ أسبابه , كأن نبتهل الى الله ونسأله ونحن على معصية, فحفظ القرآن الكريم يحتاج منا الى صفاء النية والسريرة في كل أمر من أمور حياتنا, ولنعقد النية بأن نبدأ بحفظ القرآن مع الالتزام ما أمكننا من تطبيق حلال القرآن الكريم وحرامه وحدوده , والالتزام الكامل بأركان الصلاة وأركان الايمان , واتباع ما أمكننا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم, امتثالا للحديث الذي رواه الامام بخاري ومسلم من حديث ابو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ
وبناء على ما تقدّم نقول أنه علينا أن نبدأ في حفظ القرآن الكريم مراعين الأسباب المادية والمعنوية التي تعيننا على الحفظ، ثم نسأله عز وجل بأن يُيسر لنا هذه الأسباب , وأن يساعدنا على الاستمرار والديمومة على الحفظ، وأن يُهيئ لنا من الظروف ما يُقوينا على بلوغ هذا الهدف السامي والنبيل ، وأن يمدنا عزوجل بفضله الكريم من قوة الذاكرة ما يُعيننا على عدم نسيانه ، وأن يجعلنا من الذين يُقيمون حروف القرآن وحلاله وحرامه وحدوده , فلا نكون من الذين قال فيهم الله عزوجل في سورة الفرقان 30
وقال الرسول يا ربّ انّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا
ومن بنود هجر القرآن , من اذا توفّر فيه بندا من هذه البنود الخمسة, كان هاجرا للقرآن حتى يتوب منه وهذه البنود الخمسة هي : فعدم الاصغاء للقرآن وهو يُتلى من هجرانه , ومن هجرانه ترك الايمان به أي عدم تطبيق حلاله وحرامه وحدوده , والعدول عنه الى غيره من شعر أو قولٍ أو غناءٍ أو لهوٍ من هجرانه , وترك تدبّره واستيعاب معانيه من هجرانه , وعدم تلاوته من هجرانه
انّ الله تبارك وتعالى القرآن الكريم ما أنزل القرآن الكريم على نبيه صلى الله عليه وسلم مفرقا , الا ليُسهل عليه وعلى صحابته الكرام وتابعيهم باحسان الى يوم الدين حفظه وتمكينه في صدورهم
لأجل هذا كان وحي السماء جبريل عليه الصلاة والسلام يتدارس القرآن الكريم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين في العام , ؛ فاذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم مع القرآن الكريم وهو المعصوم من الخطأ , فحريٌّ بنا أن نبدأ بحفظه تباعا مع الأخذ بالأسباب العملية والمعنوية المعينة لنا على تحقيق ذلك
إذن بالجمع بين الدعاء والأسباب يُيسّر الله عزوجل لنا حفظ كتابه الكريم
وفي الختام نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا السداد , ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
سبحانك ربك ربّ العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين
والله وحده اعلم بغيبه |