|
بسم الله الرحمن الرحيم رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري
الأسباب المباشرة لوقوع معركة الجمل بين الامام علي بن أبي طالب وأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهما
في اليوم العاشر من جمادى الأولى لسنة 36 هجري وبعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه , بايع المسلمون الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه اميرا للمؤمنين طوعاً , وكان الأحنف بن قيس قد سأل السيدة عائشة رضي الله عنهما: من يبايع بعد عثمان؟ فأمرته بمبايعة علي رضي الله عنهم .
ولكن ما حدث أن عائشة وطلحة والزبير بعد أن بايعوا علياً قصدوا البصرة مطالبين سِلمياً بمعاقبة قتلة عثمان رضي الله عنهم، فقصد الإمام علي رضي الله عنه البصرة في بِضع فرسان يدعوهم للتريّث والصبر حتى تهدأ الأمور فيتسنّى له القبض على القتلة وتنفيذ حُكم الله فيهم، فاقتنعوا بفكرة علي رضي الله عنه التي جاءهم بها القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه، فاتفقوا على المُضِيّ على أمر علي رضي الله عنه وباتوا بأهنأ ليلة، حتى إنّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والذي كان ممن جاء مع علي بات ليلته تلك في معسكر طلحة والزبير رضي الله عنهم ، وبات محمد بن طلحة بن عبيد الله وكان ممن جاءمع أبيه في معسكر الامام علي رضي الله عنهم
.
بات تلك الليلة رؤوس الفتنة بشر حال، فاجتمعوا ورؤوا أن اصطلاح الفريقين ليس من صالحهم، فأرادوا اغتيال الامام علي رضي الله عنه فأشار بعضهم ألا يفعلوا، فإن وقعوا في أيدي المسلمين ذبحوهم , فإنهم لم يهدأ حزنهم على عثمان رضي الله عنه فكيف بقتل خليفته. فقرر ذلك المؤتمر الآثم إشعال الحرب بين الفريقين. وقبل دخول الفجر أمروا بعض زبانيتهم بدخول معسكر الإمام علي وقتل بعض الجنود هناك، والبعض الآخر يدخل معسكر طلحة والزبير رضي الله عنهم ويقتل بعض الجنود هناك. فيظن كلا الفريقين أن أحدهما قد غدر بالآخر فتشتعل نار الفتنة بين الفريقين وهذا ما حدث, وفعلاً ظن الفريقين ذلك. فقام الجنود إلى سلاحهم في ذعرٍ وذهول، فجاء علي إلى الزبير رضي الله عنهما وذكّره بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنه سيقاتل علياً وهو له ظالم
فرجع الزبير على أعقابه فمنعه ابنه عبد الله رضي الله عنهما وقال له بأنهم لم يأتوا لقتالٍ ولكن للإصلاح بين الناس، أي حتى هذه اللحظة لم يخطر ببال الصحابة رضوان الله تعالى عنهم بأنه ستنشُب حرب بينهم. فلما سمع طلحة بن عبيد الله كلام الامام علي للزبير رضي الله عنهم رجع هو الآخر أدباره، عندها رماه أحد رؤوس الفتنة بسهمٍ في عنقه فمات طلحة رضي الله عنه ، لأنه ليس من مصلحة رؤوس الفتنة انتهاء الحرب. ودارت رحى المعركة والامام علي
يقول: يا عباد الله كُفّوا يا عباد الله كُفوا
فلما رأت السيدة عائشة رضي الله عنها ما يجري من قتال ناولت كعب بن سور الأزدي رضي الله عنه مصحفا وأمرته أن يدعو الناس للكف عن القتال قائلة: خلّ يا كعب عن البعير , وتقدّم بكتاب الله فادعهم اليه, وقد كان كعب يمسك بلجام ناقتها رضي الله عنهما , وهنا يتحرّك رؤوس الفتنة بعدما رأوا أنها مبادرة خطيرة لوقف الحرب , فرموا كعباً رضي الله عنه بسهامهم فأردوه قتيلاً, وفي وسط المعركة دخل سهم طائش في هودج السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيدمى يدها , عندها أخذت بلعن قتلة عثمان رضي الله عنه, فلما سمعها الجيش الذين معها فلعنوهم , فلما سمعهم الامام علي وجيشه رضي الله عنهم فلعنوهم. فاشتاط رؤوس الفتنة قتلة عثمان رضي الله عنه غضباً وقرروا اغتيال السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها , لأنها لن تكُفّ عن توحيد الفريقين بإظهار حبهم لعثمان رضي الله عنه وحقدهم على قتلته , ولن تكف عن مبادرات إيقاف الحرب وتهدئة النفوس، فأخذوا يضربون هودجها بالسهام من كل مكان . فخاف الامام على سلامة أمه أم المؤمنين رضي الله عنهما فأمر بعقر البعير الذي عليه هودجها رضي الله عنها لأنه مستهدف ما دام قائماً. فعُقِرَ البعير وانتهت المعركة التي لم تكن بحُسبان الصحابة والمؤمنين رضي الله عنهم أنها ستقع , فكلا الفريقين قصد البصرة على غير نية القتال، ولكن قدّر الله وما شاء الله فعل .
إن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ان نسي فلن ينسى قول النبي صلى الله عليه وسلم له ذات يوم: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر , أي أمر ظاهره الخلاف، قال علي رضي الله عنه متعجباً ومصدّقاً: أنا يا رسول الله؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ، فقال رضي الله عنه : أنا أشقاهم يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها . هكذا روى الحديث الإمامين ابن حجر والهيثمي.
فأمر علي بتنحية هودج أم المؤمنين جانباً وأمر أحد قادة جنده وهو أخوها محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم بتفقد حالها من أن يكون قد أصابها مكروه, فلما رآها بخيروسُرّت هي برؤيته حياً قالت رضي الله عنها : الحمد لله الذي عافاك . فأتاها علي رضي الله عنهما وبرحمته المعهودة قال : كيف أنتِ يا أمه ؟ فقالت رضي الله عنها : بخيرٍ يغفر لله لك ، فقال: ولكِ . فأدخلها دار بني خلف فزارها بعد أيام فسلم عليها ورحبت هي به. وعند رحيلها من البصرة جهزها بكل ما تحتاج إليه من متاع وزاد في طريقها للمدينة المنورة وأرسل معها 40 امرأة من نساء البصرة المعروفات , وسيّر معها ذلك اليوم أبنائه الحسن والحسين وابن الحنفية وأخوها محمد رضي الله عنهم , فلما كانت الساعة التي ارتحلت فيها جاء علي رضي الله عنهما فوقف على باب دار بني خلف حيث أقامتها, وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القِدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها وإنه على معتبتي لمن الأخيار ، فقال رضي الله عنه: صدقت ! والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والاخرة وسار علي معها أميالاً مودّعاً لها حافظاً
والله وحده أعلم بغيبه |