يقول الله تبارك وتعالى في سورة ق
وجاءت سكرةُ الموتِ بالحقِّ , ذلك ما كنتَ منهُ تحيد
وقال سبحانه وتعالى في سورة القيامة
كلا اذا بلغت التراقيَ * وقيل مَنْ , راق * والتفتْ الساقُ بالساقِ * الى ربكَ يومئذٍ المساق
وقال تعالى وجلّ في سورة الواقعة
كلا اذا بلغتْ الحُلقوم * وأنتم حينئذٍ تنظرون * ونحنُ أقربُ اليهِ منكمْ ولكنْ لا تُبصرون * فلولا انْ كنتمْ غيرَ مَدينين* ترجعونَها انْ كنتمْ صادقين
وقال عزوجل في سورة آل عمران 8
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب
وقال تعالى في سورة المؤمنون 99- 100
حتى اذا جاءَ أحدهُمْ الموتَ قال ربّ ارجعون * لعلّي أعملُ صالحاً فيما تركت, كلاَ, انها هي كلمةً هو قائلها ومِنْ وراءِهِمْ برزخً الى يومِ يُبعثون
كل تلك الايات الكريمة وغيرها مما تناولها القرآن الكريم تناولت قضية النزاع الأخير وحال الموت وشدة سكراته , وخروج الروح اما الى روح وريحان وجنة نعيم , واما الى نزل من حميم وتصلية جححيم والعياذ بالله, وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن القبر :
فهو اما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار, ولا ثالث وربّ الكعبة بينهما
وقد رُوى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه , أنّ رسول الله صلى الله
عليه و سلم قال
اذا احتضر الميت فلقنوه لا إله إلا الله , فإنه ما من عبد يختم له بها
بها موته إلا كانت زاده إلى الجنة
وعن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة فإن الحكيم من
الرجال يتحير عند ذلك المصرع و إن الشيطان أقرب ما يكون من ابن
آدم عند ذلك المصرع , والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من
ألف ضربة بالسيف ، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا
حتى يتألم كل عرق منه على حياله
و روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقول : حضر ملك الموت رجلا فنظر الى قلبه فلم يجد فيه شيئا, ففك لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بحنكه يقول لا اله الا الله, فغفر له بكلمة الاخلاص
وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم
أن العبد اذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه, والآخر عن شماله, فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول له: يا بني:
إني كنت عليك شفيقاً ولك محباً, ولكن مت على دين النصرانية فهو خير الأديان, والذي عن شماله على صفة أمه تقول : يا بني أنه كان بطني لك وعاء, وثديي لك سقاء وفخذي لك وطاء, ولكن مت على دين اليهودية وهو خير الأديان
وقال بعض العلماء رحمهم الله: انّ ذلك عند استقرار النفس في التراقيَ والارتفاع تُعرض عليه الفتن, وذلك أنّ ابليس قد أنفذ أعوانه الى هذا الانسان خاصة واستعملهم عليه ووكلهم به, فيأتون المرء وهو على تلك الحال فيتمثلون له في صورة
من سلف من الأحباب الذين سبقوه الى عالم الآخرة ويريدون له النصح في دار الدنيا, كالأب والأم, والأخ والأخت, والصديق الحميم
فيقولون له : أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت
يهودياً فهو الدين المقبول عند الله تعالى, فان انصرم عنهم وأبى رغبتهم, جاءه آخرون وقالوا له: مت نصرانيا, فانه دين المسيح, وقد
نسخ الله به دين موسى , ويذكرون له عقائد كل ملة, فعند هذه اللحظة الحرجة يُزيغُ الله من يُريدُ زيْغهُ , وهذه هو معنى قوله تعالى في سورة آل عمران 8
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا
أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا زمانا, فاذا أراد الله
بعبده هداية و تثبيتاً جاءته الرحمة
وبعضهم قال : هو جبريل عليه السلام, فيطرد عنه الشياطين, ويمسح الشحوب عن وجهه, فيبتسم الميت لا محالة, وكثير الناس من يُرى
مبتسما عند الموت في هذا المقام فرحاً بالبشير الذي جاءه من الله
تعالى فيقول : يا فلان أما تعرفني ؟ أنا جبريل, وهؤلاء أعداؤك من
الشياطين مت على الملة الحنفية والشريعة الجليلة, فمت شيء أحبّ
أحب إلى الانسان وأفرح منه بذلك الملك, وهذا معنى قوله تعالى في سورة آل عمران 8
وهب لنا من لدنك رحمة , انك أنت الوهاب
وعلى لك تقبض روحه والله أعلم.
وقال العلماء رحمهم الله: انّ تلقين الموتى كلمة التوحيد لا اله الا الله
سنة مأثورة عمل بها المسلمون, وذلك ليكون آخر كلامهم لا اله الا الله
فيختم لهم بالسعادة ، و ليدخلوا في عموم قوله عليه الصلاة والسلام
من كان آخر كلامه لا إله الا الله دخل الجنة
وروى ابن المبارك وسفيان الثوري عن ليث عن مجاهد قال : ما من ميت إلا تعرض عليه أهل مجالسه الذين كان يجالس ، إن كان أهل لهو فأهل لهو ، و إن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر
مشاهد من حسن الخاتمة عند الاحتضار
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمهما الله : حضرت وفاة أبي أحمد ، و بيدي الخرقة لأشد لحييه ، فكان يغرق ثم يفيق و يقول بيده : لا بعد لا بعد . فعل هذا مراراً فقلت له : يا أبت أي شيء ما يبدو منك ؟ فقال : إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول : يا أحمد فتني وأنا أقول لا . بعد لا . حتى أموت .
وشيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول : حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد بن محمد القرطبي بقرطبة و قد احتضر . فقيل له : قل : لا إله إلا الله ، فكان يقول : لا . لا . فلما أفاق ذكرنا له ذلك فقال : أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي . يقول أحدهما : مت يهودياً فإنه خير الأديان ،
و الآخر يقول : مت نصرانياً فإنه خير الأديان فكنت أقول لهما : لا لا , أالي تقولان هذا ؟
وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي و النسائي عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول : مت يهودياً مت نصرانياً فكان الجواب لهما لا لكما
مشاهد من سوء الخاتمة عند الاحتضار
ومثل هؤلاء في الناس كثير ممن أصابهم الوهن في الدنيا, والوهن هو
ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم:
حبُّ الدنيا وكراهية الموت, أو حبّ الدنيا ونسيان الآخرة
وكلاهما في الشرع سيّان
فيكون هؤلاء قد غلب عليهم الاشتغال بالدنيا
وأموالها وأبناءها ونساؤها وغلمانها ولذائذها
وشهواتها, لقوله تعالى في سورة المدثر: ما
سلككم في سقر* قالوا لم نكُ من المصلين * ولم
نكُ نُطعمُ المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين *
وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما
تنفعهم شفاعة الشافعين
وكما في الحديث الذي رواه الامام مسلم رحمه
الله من حديث أنس رضي الله عنه أنّ النبي
صلى الله عليه وسلم قال: : حُفَّت الجنة بالمكاره
وحُفّـت النار بالشهوات
وفي رواية للامام البخاري رحمه الله من حديث أبو
هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه قال:
حجبت النار بالشهوات, وحجبت الجنة بالمكاره
وكلا الروايتين صحيحتان
وقال الامام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث
لا يوصل الى الجنة الا مرتكب المكاره, ولا يوصل الى النار الا مرتكب
الشهوات
وبمعنى أدق: أن كل شيء يحبه الله منك ان تعمله لأجله يقودك الى
الجنة, وكل شيء يبغضه الله من قول أو عمل يوصلك الى النار
كذلك هما محجوبتان بهما؛ فمن هتك الحجاب وصل الى المحبوب
فهتك حجاب الجنة يكون باقتحام المكاره, وهتك حجاب النار يكون
بارتكاب الشهوات , فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد بالعبادات والمواظبة عليها, والصبر على مشاقها, وكظم الغيظ, والعفو عن
الناس والحلم والصدقة والاحسان الى المسيء, والصبر على الشهوات وما الى ذلك من الشهوات المحرمة كشرب الخمر والزنا وأكل مال الحرام, والنظر الى ما حرم الله علينا, وسماع الأغاني والموسيقى وما فيهما من اللهو المؤدي الى طريق جهنم
حُكي لنا أن بعض السماسرة جاء عنده الموت فقيل له قل
لا إله إلا الله . فجعل يقول : ثلاثة ونصف, أربعة ونصف حتى انتهى أجله وقد غلبت عليه السمسرة
و قال الربيع بن شبرة بن معبد الجهني و كان عابداً بالبصرة : أدركت الناس بالشام و قيل لرجل : يا فلان قل : لا إله إلا الله قال : اشرب واسقني
و قيل لرجل بالأهواز يا فلان قل : لا إله إلا الله فجعل يقول : ده يازده دوازده تفسيره : عشرة ، أحد عشرة ، اثنا عشر . كان هذا الرجل من أهل العمل و الديوان ، فغلب عليه الحساب و الميزان
ذكر هذا التفسير أبو محمد عبد الحق . قال الربيع : و قيل لرجل ها هنا بالبصرة يا فلان قل : لا إله إلا الله فجعل يقول
يا رب قائلة يوماً و قد لغبت أين الطريق إلى حمام منجاب
قال الفقيه أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن النجاد : هذا رجل قد استدلته امرأة إلى الحمام ، فدلها إلى منزله فقاله عند الموت
وذكر أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية ، في كتاب العاقبة له فقال : وهذا الكلام له قصة ، وذلك أن رجلاً كان واقفاً بإزاء داره ، وكان بابه يشبه باب حمام فمرت به جارية لها منظر وهي تقول : أين الطريق إلى حمام منجاب ؟ فقال لها : هذا حمام منجاب . وأشار إلى داره , فدخلت الدار ودخل وراءها ، فلما رأت أنه قد خدعها , أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة
وفي تلك الدار وقالت له : يصلح معنا ما نطيب به عيشنا وتقر به أعيننا , فقال لها : الساعة آتيك بكل ما تريدين و بكل ما تشتهين ، فخرج ليحضر لها ما يصلح لهما وتركها في الدار ولم يقفلها ، فلما عاد و دخل الدار وجدها قد خرجت وذهبت و لم يجد لها أثراً ، فهام الرجل بها و أكثر الذكر لها و الجزع عليها و جعل يمشي في الطرق و الأزقة و هو يقول : يا رب قائلة يوماً قد لغبت أين الطريق إلى حمام منجاب, واذا بجارية تجاوبه بالقول
هلا جعلت لها لما ظفرت بها حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب
فزاد هيمانه و اشتد هيجانه ، و لم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر . فنعوذ بالله من المحن والفتن
وقد حكي انّ بعض الحساب و هو في غاية المرض قيل له قل لا اله الا الله , فما كان منه الا عقد بأصابعه وأخذ يحسب
و قيل لآخر : قل : لا إله إلا الله فجعل يقول : الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا و الجنان الفلاني اعملوا فيها كذا
و قيل لآخر : قل : لا إله إلا الله فجعل يقول : عقلك الحمارة و قيل لآخر : قل : لا إله إلا الله فجعل يقول : البقرة الصفراء ، غلب عليه حبها و الاشتغال بها . نسأل الله السلامة و الممات على الشهادة بمنه و كرمه
فلنستعد للآخرة بأعمال البر والتقوى حتى ر يُختمُ لنا بسوء الخاتمة, ففقد أخبرالنبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بالخواتيم
روى الامام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
إن الرجل ليعمل الزمان الطويل يعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار ، و إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة
و في البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال
إن العبد ليعمل عمل أهل النار و إنه من أهل الجنة ، و يعمل عمل أهل الجنة و إنه من أهل النار ، و إنما الأعمال بالخواتيم .
وقال أبو محمد عبد الحق : اعلم أن سوء الخاتمة ـ أعاذنا الله منها ـ لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه, ما سمع بهذا ولا علم به والحمد لله
وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل ، أو إصرار على الكبائر ، وإقدام على العظائم
فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة ، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة ، و يختطفه عند تلك الدهشة ، و العياذ بالله ، ثم العياذ بالله ، أو يكون ممن كان مستقيماً ، ثم يتغير عن حاله و يخرج عن سننه ، و يأخذ في طريقه ، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمه و شؤم عاقبته ، كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة ، و بلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض واتباع شهواته وهواه ، وبرصيصا العابد الذي قال الله في حقه : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر
مشاهد بسوء الخاتمة والعياذ بالله
يُروى : أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجداً للأذان والصلاة ، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة ، فرقي يوماً المنارة على عادته للأذان ، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمي ، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار ، فافتتن بها و ترك الأذان ، و نزل إليها و دخل الدار فقالت له : ما شأنك ما تريد ؟ فقال : أنت أريد . قالت : لماذا ؟ قال لها : قد سلبت لبي و أخذت بمجامع قلبي . قالت : لا أجيبك إلى ريبة . قال لها : أتزوجك . قالت له : أنت مسلم وأنا نصرانية, وابى لا يزوجني منك
قال لها : أتنصر . قالت : إن فعلت أفعل . فتنصر ليتزوجها ، وأقام معها في الدار . فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات ، فلا هو بدينه و لا هو بها . فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة و سوء الخاتمة
و يروى أن رجلاً علق بشخص و أحبه ، فتمنع عنه و اشتد نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش ، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعود ، فأخبر بذلك ففرح واشتد فرحه و سروره ، و انجلى عنه بعض ما كان يجده ، فلما كان في بعض الطريق رجع وقال : و الله لا أدخل مداخل الريب ، ولا أعرض بنفسي لمواقع التهم , فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده ، و رجع إلى أسوأ ما كان به وبدت علامات الموت و أمارته عليه قال الراوي : فسمعته يقول و هو في تلك الحال
سلام يا راحة العليل و برد ذل الدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
قال : فقلت له : يا فلان اتق الله تعالى فقال : قد كان ما كان . فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه . فنعوذ بالله من سوء العاقبة و شؤم الخاتمة
و في التنزيل قوله عزوجل: واعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه
قال مجاهد رحمه الله في معنى هذه الآية : أن الله يحول بين المرء و عقله حتى لا يدري ما يصنع إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي عقل
و قال الطبري رحمه الله: أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم وأنه يحول بينهم و بينها إذا شاء ، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئة الله عز و جل
.
و قالت السيدةعائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك , فقلت : يا رسول الله ! إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى ؟ قال : وما يُؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الجبار, إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلب .
اذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم من خشيته من سوء الخاتمة خشيته , وهو صلى الله عليه وسلم قد غفر الله تعالى له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟ وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة ، والإستقامة على مشيته عزوجل موقوفة, والعاقبة مغيبة, والارادة
غير مغالبة ، فلا نغتر بإيماننا , وأعمالنا, وصلاتنا, وصيامنا, وجميع قرباتنا, فإن ذلك وإن كان من كسبنا فإنه من خلق ربنا عزوجل وفضله علينا و منته وخيره العميم ، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى, فمهما افتخرنا بذلك ، كنا كالمفتخرين بمتاع غيرنا ، و ربما سلب عنا فعادت قلوبنا من الخير أخلى من جوف البعير ، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم . فأصبحت وزهرها يابس هشيم ، إذ هبت عليها الريح العقيم , كذلك العبد يُمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم ، فيصبح وهو بمعصية مظلم سقيم . ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم
انّ الآثام المتولدة عن شرب الخمر , وعلى من ترك الصلوات , ومن قتل النفس التي حرم الله ومن وقوع على المحارم, فاستحل الحرام لنفسه, وحرّم على نفسه الحلال, من شأنها أن تبشّر بسوء الخاتمة, فقد روى الامام النسائي رحمه الله
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد ، فعلقت امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ، فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل باباً أغلقته دونه حتى أفضت إلى امرأة وضيئة أي جميلة عندها غلام و باطية خمر فقالت : إني و الله ما دعوتك للشهادة و لكن دعوتك لتقع علي ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً أو تقتل هذا الغلام قال فاسقني من هذه الخمر ؟ فسقته كأساً قال : زيدوني فلم يزل يشرب حتى وقع عليها و قتل الغلام . فاجتنبوا الخمر فإنه و الله لا يجتمع الإيمان و إدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه
و يروى أن رجلاً أسيراً مسلماً ، و كان حافظاً للقرآن ، خص بخدمة راهبين ، فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته, فأسلم الرهبان و تنصّر المسلم . وحين قيل له : ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه . قال : لا أرجع إليه أبداً فقتل ليُختم له بسوء الخاتمة.
و الحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة و الممات على الشهادة.
آميـــــــــــــــــــــــــــ ـــــن
سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين* والحمد لله ربّ العالمين
ما أصبت به فمن الله وفضله ومنته, وما اخطأت فمن نفسي الخاطئة ومن الشيطان