وماذا بعد رمضان؟
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, حمدا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه , سبحانه ربنا لا نحصي ثناء عليه, هو كما أثنى على نفسه الكريمة والجليلة, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء و المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهاهي صفحات الأيام تـُطوى وساعات الزمن تنقضي.. فبالأمس القريب كنا قد استقبلنا شهر رمضان المبارك واليوم نودعه.. فقبل أيام كان قد هلَّ علينا هلال رمضان واليوم يهلّ علينا هلال شوال.. ولئن فاخرت الأمم ـ من حولنا ـ بأيامها وأعيادها واخلعتها أقدارا زائفة، وبركات مزعومة وسعادة واهية فأنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال.. ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه . فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها, وخصَّها بفضل لم يكن لمن قبلها.. فأطلق أيها المسلم المخلص بصرك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة يوم العيد وهي تتعبّد الله عز وجل بالفطر كما تعبدته من قبل بالصيام, ولنوالي بالفطرعلى العبادة كما واليناه في رمضان , فان كنا عبدنا الله عزوجل في رمضان فالمعبود هو واحد, وكما هو رب رمضان أيضا هو ربّ شوال وربّ رجب وربّ شعبان وربّ غيرها من الشهور والليالي والأيام , وهو رب الأزمان كلها وربّ كل الأكوان, واباك أن تكون من الذين قال فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل 14 قرنا: من كان يعبد محمدا, فمحمدٌ قد مات, وكن من الذين قال فيهم: ومن كان يعبد الله فالله حيٌّ لا يموت’ وها نحن وبعد أربعة عشر قرنا من تلك المقولة الصادقة نقول: من كان يعبد رمضان فرمضان قد افل , ومن كان يعبد الله فالله حيٌّ قيوم لا يموت’ ولكي يتقبل الله منا رمضان علينا أن نوالي في العبادة وارتياد المساجد ونبقى مواظبين على نفس العبادة ونفس الالتزام في الصلوات في جماعة كالتزامنا فيها في رمضان, فسبحان ربّ الأزمان كلها وسبحان ربّ كل الأكوان, وسبحان رب الجن وربّ الانسان, ربّ الكائنات والمكنونات ورب الجمادات ورب السموات السبع والأراضين السبع وما فيهنّ.
اللهم اجعلنا من المغفور لهم يوم القيامة والذين يقولون : سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
ولا ننسى أبدا قوله تعالى في سورة الحج 32: ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب
وما علينا الا أن نستمرعلى الطاعة ونسأل الله عز وجل الثبات على هذا الدين حتى نلقاه وهو راضٍ عنا , فرحمة الله وسعت كل شيء وسيكتبها فقط للمتقين والذين يخشوْن الله عزوجل وحده لا شريك له, واقرؤوا ان شئتم قوله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيءٍ فسأكتبها للذين يتقون, وكما في قوله تعالى في آية عظيمة ختم بها سورة البينة: انّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البَرِية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا, رضي الله عنهم ورضوا عنه, ذلك لِمَن خشيَ ربَّه
ولنعلم أن نهاية وقت الطاعة والعبادة ليس المدفع الذي يعلن حلول العيد كما يتوهم البعض, بل هو كما قال الله عز وجل في آية ختم بها سورة الحجر: وَاعْبُدْ ربك حتى يأتيــَكَ اليقين. واليقين هنا هو الموت.. وقال بعض السلف: ليس لعمل المسلم غاية دون الموت
وقال الحسن البصري رحمه الله: أبى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهر أو شهرين أو عام أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم وهو يخطب الناس على المنبر الآية 30 من سورة فصلت: انّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّلُ عليهمُ الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.... وقال رضي الله عنه يومها: استقاموا والله بطاعة الله ثم لم يروغوا روغان الثعلب, وهذا تأكيد من عمر رضي الله عنه على أنّ من يداوم على عبادة في زمن ما, ومن ثمّ يجافيها أويبتعد عنها أو يتركها أو يُقصِّرُ فيها تقصيرا متعمدا في زمن آخر, تكون عبادته كروغان الثعلب, ورحم الله من قال:
يُسقيكَ مِنْ طـَرْفِ اللسانِ حلاوة ً.... ويروغ ُ منك كما يروغ الثعلبُ
فمن تعوّد في رمضان على قراءة القرآن عليه أن يتابع قراءته لهذا الكتاب العظيم بعد رمضان كي يتقبّلَ الله منه قراءته للقرآن في رمضان, ومن تعوّد على ارتياد المساجد في رمضان فليتابع ارتياده لها بعد رمضان, كي يتقبَّلَ الله له ارتياده لبيوته الفضلى في رمضان, ومن كان قد تعوّدَ على الانفاق وصلة الأرحام وسائر العبادات في الأخرى في رمضان فليتابع طريقه على نفس المنهج ما بعد رمضان ايمانا منه أنّ ربّ رمضان هو نفسه ربّ ما بعد رمضان
وإن كن أيها الأخوة المسلمون والأخوات ا قد ودعنا شهر الطاعة والعبادة وموسم الخير والعتق من النار فإن الله عز وجل له نفحات دائمة ولنتعرّض لها ما بعد رمضان , خاصة وأنه عزوجل جعل لنا من الطاعات والعبادات ما تهنأ به نفس المؤمن وتقرّ به عينُ المسلم من أنواع النوافل والقربات طوال العام ومن ذلك
صيام ست من شوال: فعقد روى الامام مسلم رحمه الله عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ست من شوال كان كصيام الدهر
وإن كان عليك قضاء فأقضه ثم صمها
صيام أيام البيض (ثلاثة أيام من كل شهر) وصيام يوم عرفه لغير الحاج وكذلك صيام أيام الاثنين والخميس
قيام الليل والمحافظة على الوتر.. وتأس بالأخيار الذين قال فيهم المولى عزوجل في سورة الذاريات 17: كَانوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
المداومة على السنن التابعة للفرائض وهي اثنتي عشرة ركعة, لقوله تعالى في سورة المزمل 7: انّ لك في النهار سبحا طويلا, : أربع قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر.
قراءة ما تيسّر من القرآن الكريم والحرص على ذلك يوميا ولو صفحات, فخير العمل أدوَمُهُ وان قلَّ, أو كما قال صلوات ربي وسلامه عليه, وذلك حتى لا يشملنا قوله تعالى في سورة الفرقان 30: وقال الرسول يا ربّ انّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ..ولمَ لا تكون من الذين قال فيهم المولى عزوجل في سورة الاسراء 45 و 46 واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * ......واذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولـَّوْا على أدبارهم نفور-
و لنحرص على أعمال البر والاستقامة على الطاعة.. وملازمة الاستغفار عند كل ذنب, لقوله تعالى في سورة هود 112: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تابَ مَعَكَ
فلنتذلل ولنتضرع ولندعو الله دوما أن يحيينا ويميتنا ويعثنا على الإسلام , وأن نسأله الثبات على كلمة التوحيد فمن دعاء نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم كما روى الامام الترمذي رحمه الله : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
وأنواع الطاعات كثيرة وأجرها عظيم قال تعالى في سورة النحل 97: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون
فلنحرص أخوة الاسلام رحمكم الله على الاستمرار على الأعمال الصالحة وأحذر أن يفاجئك الموت على معصية.. ولنضع في بالنا أنه من علامات قبول عملك في رمضان استمرارنا على الطاعة فيما بعد رمضان.. فالسيئة لا تمحها الا حسنة تتبعها, وليكن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أعلامنا ونتعلم منهم أدب التعامل مع الواحد القهار, لقد كانوا رضوان عليهم يسألون الله عزوجل لستة أشهر متوالية بعد رمضان أن يتقبّلَ منهم رمضان
أيها الأخوة الأحبة في الله: أيام الأعياد ليست أيام لهو ٍ أوغفلة ٍ, انها أيام عبادة ٍ وشكر ٍ، والمؤمن يتقلب في أنواع العبادة ولا يعرف حدّاً لها.. ومن تلك العبادات التي يُحبها الله عزوجل ويرضاها: صلة الأرحام وزيارة الأقارب وترك التباغض والتحاسد والعطف على المساكين والأيتام وإدخال السرور على الأرملة والفقير, وكن من السبعة الذين سيظلهم الرحمن في ظله يوم لا ظله الا ظله في يوم سيكون طوله خمسين ألف سنة والشمس تدنو من الرؤوس وتكون على بعد ميل واحد من رؤوسنا
ولنتأمل دورة الأيام ولنستوحش من سرعة انقضائها.. ولنفر الى الله عزوجل, ولنفزع إلى التوبة وصدق الالتجاء الى الله عز وجل , ولنعوِّد أنفسسنا على الطاعة ونلزمها العبادة, فإن الدنيا أيام قلائل.. ولنعلم أنه لا يهدأ قلب المؤمن ولا يسكن روعهُ حتى تطأ قدمه الجنة.. فسارع إلى جنة ٍ عرضها السموات والأرض أعِدَّت للمتقين, وجنـِّبْ نفسك نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.. وعليك بالحديث الذي رواه البخاري رحمه الله عن علم الهدى ومعلم الناس الخير صلوات ربي وسلامه عليه: سددوا وقاربوا، وأعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال الى الله أدومُها وإن قلَّ.
اللّهم ثبتنا على الإيمان والعمل الصالح وأحينا حياة طيبة وألحقنا بالصالحين.. ربنا تقبل منا إنّك أنت السميع العليم وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.. وصلى الله وسلم وبارك على من أرسله الله رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
__________________