قال المؤلف رحمه الله: و هذا بظاهره أن بنفس الصياح يقع التعذيب وليس كذلك . و نما هو محمول على ما ذكرناه . و الله أعلم.
و قال الحسن البصري رحمه الله: إن من شر الناس للميت : أهله يبكون عليه ، ولا يقضون دينه .
فصل: ما يـُنجّي مِن ضغطة و فتنته
روى أبو نعيم من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره , وأمن من ضغطة القبر . وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة
قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد تفرد به نصر بن حماد البجلي
ثالثا : باب ما يقال عند وضع الميت في قبره و في اللحد في القبر
اللحد : هو أن يحفر للميت في جانب القبر ، إن كان الأرض صلبة ، وهو أفضل من الشق . فإنه الذي اختاره الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وسلم .
روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، بعثوا إلى أبي عبيدة ، و ان يضرح كضريح أهل مكة ، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة . وكان يلحد . فبعثوا إليهما رسولين ، قالوا : اللهم خر لرسولك . فوجدوا أبا طلحة فجيء به ، ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله صلى الله عليه و سلم .
وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللحد لنا . والشق لغيرنا
أخرجه ابن ماجه و الترمذي و قال : حديث حسن غريب ،
و أخرج أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول وابن ماجة في سننه. عن سعيد بن المسيب قال : حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله, فلما أخذ في تسوية اللحد . قال : اللهم أجرها من الشيطان . ومن عذاب القبر , فلما سوى الكثيب عليها ، قام جانب القبر ثم قال : اللهم جاف الأرض عن جنبيها ، وصعد روحها ، ولقها منك رضواناً . فقلت لابن عمر : شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم شيئاً قلته من رأيك ؟ قال : إني إذا لقادر على القول . بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و قال أبو عبد الله الترمذي رحمه الله : حدثني أبي رحمه الله . قال : حدثنا الفضل بن ذكين عن سفيان عن الأعمش عن عمرو بن مرة . قال : كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا : اللهم أعذه من الشيطان الرجيم .
و روي عن سفيان الثوري أنه قال : إذا سئل الميت : من ربك ؟ تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه : إني أنا ربك ، قال أبو عبد الله : فهذه فتنة عظيمة . و لذلك كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو بالثبات ، فيقول : اللهم ثبت عند أحدهما منطقه . وافتح أبواب السماء لروحه فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجبره من الشيطان . فهذا تحقيق لما روى عن سفيان . ذكره في الأصل التاسع و الأربعين و المائتين .
رابعا: باب الوقوف عن القبر قليلاً بعد الدفن و الدعاء بالتثبيت له
اخرج مسلم عن بن شماسة المهري ، قال : حضرنا عمرو بن العاص
وهو في سياقة الموت ، الحديث : و فيه : فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شناً ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر ويقسم لحمها ، حتى أستأنس بكم ، و أنظر ماذا أرجع به رسل ربي عز و جل ؟ أخرجه ابن المبارك بمعنى مسلم من حديث ابن لهيعة
.
قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه وقال فيه: وشدوا على إزاري فإني مخاصم . وشنوا على التراب شناً . فإن جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر ، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجراً ، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور
وتقطعيها . استأنس بكم .
أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له بالتثبيت فإنه الآن يسأل .
و أخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا دفن ميتاً وقف و سأل له التثبيت ، و كان يقول : ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه .
وأخرج أبو نعيم في باب عطاء بن ميسرة الخراساني إلى عثمان رضي الله عنه ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال : إنا و الله وإنا إليه راجعون ، اللهم نزل بك . و أنت من خير منزول به ، جاف الأرض عن جنبيه ، وافتح أبواب السماء لروحه ، واقبله منك بقبول حسن . وثبت عند المسائل منطقه .
غريب من حديث عطاء .
فصل : ما يدعو أحدنا للميت بعد دفنه
قال الآجري أبو بكر ، محمد بن الحسين في كتاب النصيحة : يستحب الوقوف بعد الدفن قليلاً ، والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات ، فيقال : اللهم هذا عبدك و أنت أعلم به منا . و لانعلم منه إلا خيراً ،
وقد أجلسته لتسأله ، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة ، كما ثبته في الحياة الدنيا ، اللهم ارحمه , وألحقنه بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ولا تضلنا بعده , ولا تحرمنا أجره .
وحدثنا أبو عبد الله الترمذي : فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة ، لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون له ، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد للعسكر , وتلك ساعة شغل للميت . ولأنه يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني القبر ـ على ما سيأتي ان شاء الله .
فصل : قول عمرو بن العاص رضي الله عنه ، فإذا أنا مت فلا تصبحبني نائحة ولا نارة .... توصية منه باجتناب هذين الأمرين ، لأنهما من عمل الجاهلية ، و لنهي النبي صلى الله عليه و سلم .
فصل: قول العلماء رحمهم الله : في البدع التي يبتدعها الناس في الأموات واحياء البدع وامتة السنن
ومن ذلك الضجيج بذكر الله سبحانه وتعالى أو بغير ذلك حول الجنائز و البناء على المقابر ، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة والمبيت عندهم وغيرها لأجل الموتى ، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت ، والطعام الذي يصنعه اهل الميت في اليوم الثالث أو السابع, فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحم عليه ، وهذا مُحدث لم يكن فيما تقدم ، ولا هو مما يحمده العلماء , لأنه من أمر الجاهلية.
قالوا : و ليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر ، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود ، ونشر الشعور ، وشق الجيوب ، واستماع النوح ، كذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت ـ كما ذكرنا ـ فيجتمع عليه النساء و الرجال من فعل قوم لا خلاق لهم .
و قال أحمد بن حنبل رحمه الله : هو من فعل الجاهلية ، قيل له : أليس قد قال النبي صلى الله عليه و سلم اصنعوا لآل جعفر طعاماً ؟ فقال : لم يكونوا هم اتخذوا . إنما اتخذ لهم , فهذا كله واجب, وعلى الرجل أن يمنع أهله من أن يصنعوا طعاما للغير . ولا يرخص لهم ، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله عزوجل, وأعانها على الاثم والعدوان
والله تعالى يقول : قوا أنفسكم و أهليكم ناراً
قال العلماء : معناه أدبوهم و علموهم .
وروى ابن ماجه في سننه عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة .
وفي حديث شجاع بن مخلد قال : كانوا يرون أن إسناده صحيح . وذكر الخرائطي عن هلال بن خباب ، قال : الطعام على الميت من أمر الجاهلية
وأخرج الآجري عن أبي موسى قال : ماتت أخت لعبد الله بن عمر . فقلت لامرأتي : اذهبي فعزيهم . وبيتي عندهم ، فقد كان بيننا و بين آل عمر الذي كان ، فجاءت فقال : ألم أمرك أن تبيتي عندهم ؟ فقالت : أردت أن أبيت ، فجاء ابن عمر فأخرجنا . و قال : اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب .
و عن أبي البختري قال : بيتونة الناس (مبيت) عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية .
قال المؤلف رحمه الله : وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنة وتركها بدعة ، فانقلب الحال وتغيرت الأحوال .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سُنة . و أحيوا فيه بدعة . حتى تموت السنن وتحيا البدع ، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا ، ونهيهم عما اعتادوا ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنك لن تدع شيئاً إلا عوضك الله خيراً منه ، و قال صلى الله عليه و سلم : لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله لا يضرهم جدال من جادلهم و لا عداوة من عاداهم .
فصل : و من هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ليس منا من لطم الخدود و شق الجيوب . و دعا بدعوى الجاهلية
و فيهما أيضاً عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله ، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال : أنا برىء مما برىء منه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة و الحالقة و الشاقة .
وأخرج
ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه باسناد صحيح قال: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الخامشة وجهها ، و الشاقة جيبها ، والداعية بالويل و الثبور.
و قال حاتم الأصم رحمه الله : إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه ،
وأظهر حزنه ، فعزيته , فقد أشركته في إثمه , وإنما هو صاحب منكر ، يحتاج أن تنهاه .
و قال أبو سعيد البلخي رحمه الله : من أصيب بمصيبة فمزق ثوباً ، أو ضرب صدراً ، فكأنما أخذ رمحاً يريد أن يقاتل به ربه عز و جل.
خامسا : باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده
ذكر أبو محمد عبد الحق يروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب . فليقم أحدكم على رأس قبره ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ، ثم ليقل : يا فلان ابن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة الثالثة فإنه يقول : أرشدنا رحمك الله ، ولكنكم لا تسمعون . فيقول : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنك رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه و سلم نبياً ، وبالقرآن إماماً ، فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منهما . ويقول : انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا ، وقد لقن حجته ، ويكون الله حجيجهما دونه .... فقال رجل : يا رسول الله فإن لم تعرف أمه ؟ قال : ينسبه إلى أمه حواء .
قلت : هكذا ذكره أبو محمد في كتاب العاقبة لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام ، و عادته في كتبه نسبة ما يذكره من الحديث إلى الأئمة ، و هذا و الله أعلم ، نقله من إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد فنقله كما وجد و لم يزد عليه . وهو حديث غريب .
وأخرج الثقفي في الأربعين له ،مرفوعا الى سعيد الأزدي قال : دخلت على أبي أمامة الباهلي و هو في النزع فقال لي : يا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا . فقال عليه الصلاة والسلام : إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل : يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع . فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً . فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول : أرشدنا يرحمك الله فلقيل : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها ، و أن الله باعث من في القبور ، فإن منكر و نكيراً
عند ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه و يقول : ما نصنع عند رجل لقن حجته فيكون الله حجيجهما دونه .
حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي .
قال أبو محمد عبد الحق : و قال شيبة بن أبي شيبة : أوصتني أمي عند موتها . فقالت لي : يا بني إذا دفنتني فقم عند قبري ، و قل يا أم شيبة ، قولي : لا إله إلا الله . ثم انصرف ، فلما كان من الليل رأيتها في المنام فقالت لي : يا بني لقد كدت أن أهلك . لولا أن تداركتني لا إله إلا الله . فلقد حفظتني في وصيتي يا بني .
قال المؤلف : قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي : ينبغي أن يرشد الميت في قبره حيث يوضع فيه إلى جواب السؤال ، و يذكر بذلك فيقال له : قل الله ربي . والإسلام ديني . و محمد رسولي فإنه عن ذلك يسأل . كما جاءت به الأخبار على ما سيأتي إن شاء الله . و قد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك . فيقال : قل هو محمد رسول الله وذلك عند هيل التراب ولا يعارض هذا بقوله تعالى : وما أنت بمسمع من في القبور . ولا قوله تعالى : إنك لا تسمع الموتى , وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد نادى أهل القليب وأسمعهم, وقال لعمر رضي الله عنه: ما أنتم بأسمع . و لكنهم لا يستطيعون جواباً
وقد قال عليه الصلاة والسلام في الميت : إنه ليسمع قرع نعالهم . و أن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت . وسيأتي استيفاء هذا المعنى في باب : ما جاء أن الميت يسمع ما يقال : إن شاء الله .
فصل: باب في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة
أخرج أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال : حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك , فهم مهتمون محزنون , حتى إذا أسلموه في ذلك القبر ورجعوا راجعين, أخذ كفاً من تراب فرمى به وهو يقول : ارجعوا إلى دياركم أنساكم الله موتاكم فينسون ميتهم
ويأخذون في شرائهم و بيعهم كأنهم لم يكونوا منه ولم يكن منهم .
و يُروى أن الله عز و جل لما مسح على ظهر آدم عليه السلام فاستخرج ذريته قالت الملائكة : رب لا تسعهم الأرض ! قال الله تعالى : إني جاعل موتاً : قالت : رب لا يهنيهم العيش . قال تعالى: إني جاعل أملاً
فالأمل رحمة من الله تعالى ينتظم به أسباب المعاش . ويستحكم به أمور الدنيا .. و يتقوى به الصانع على صنعته . والعابد على عبادته ، و إنما يدم من الأمل ما امتد و طال ، حتى أنسى العاقبة ، و ثبط عن صالح الأعمال .
قال الحسن البصري رحمه الله : الغفلة والأمل : نعمتان عظيمتان على ابن آدم . و لولاهما ما مشى المسلمون في الطرق .
يريد لو كانوا من التيقظ وقصر الأمل وخوف الموت بحيث لا ينظرون إلى معاشهم . وما يكون سبباً لحياتهم لهلكوا
قال مطرف بن عبد الله : لو علمت متى أجلي ؟ لخشيت ذهاب عقلي . و لكن الله سبحانه منّ على عباده بالغفلة عن الموت .
ولولا الغفلة ما تهنوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق .
سابعا : باب في رحمة الله بعبده إذا أدخل في قبره
قال عطاء الخراساني رحمه الله : أرحم ما يكون الرب بعبده . إذا دخل في قبره وتفرق الناس عنه وأهله .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً الى أبو غالب رحمه الله قال : كنت أختلف إلى أبي أمامة الباهلي بالشام ، فدخلت يوماً على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول : يا عدو الله ، ألم آمرك ؟ ألم أنهك ؟ فقال الفتى : يا عماه ! لو أن الله دفعني إلى والدتي : كيف كانت صانعة بي ؟ قال : تدخلك الجنة . قال : الله أرحم بي من والدتي ، وقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فلما أن سواه صاح وفزع . قلت له ما لك ؟ قال : فسح له في قبره ، و مُلئ نوراً .
و كان أبو سليمان الداراني يقول في دعائه : يا من لا يأنس بشيء أبقاه ، و لا يستوحش من شيء أفناه ، و يا أنيس كل غريب ، ارحم في القبر غربتي ، ويا ثاني كل وحيد ، آنس في القبر وحدتي ...
سابعا : باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد ؟
و بيان قوله تعالى في سورة ق : و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد , وقوله تعالى في سورة الانشقاق : لتركبن طبقاً عن طبق
أخرج أبو نعيم عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
إنّ ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل إن الله ـ لا إله غيره إذا أراد خلقه ـ قال للملك : اكتب رزقه و أثره و أجله ،
واكتب شقياً أو سعيداً ، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً آخر فيحفظه حتى يدرك ، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته
وسيئاته ، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك المكان ، ثم جاءه ملك الموت عليه السلام ، فيقبض روحه ، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ، ثم يرتفعان ، فإذا قامت الساعة ، انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتاباً معقوداً في عنقه ، ثم حضرا معه : واحد سائق
والآخر شهيد ، ثم قال الله عز وجل : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى : لتركبن طبقاً عن طبق قال : حالاً بعد حال ..
ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم : إن قدامكم أمر عظيم .... فاستعينوا بالله العظيم .
قال أبو نعيم : هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر
الباب الثالث والثلاتون: في سؤال الملكين للعبد و في التعوذ فصل: في عذاب القبر وعذاب النار
أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه . إنه ليسمع قرع نعالهم , أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه و سلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله و رسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً .
وأما المنافق و الكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس . فيقال : لا دريت و لا تليت . و يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين .
وأخرج ابن ماجه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ، ثم يقال له : فيم كنت ؟ فيقول : كنت في الإسلام ! فيقال : ما هذا الرجل ؟ فيقول : محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه . فيقال له : هل رأيت الله ؟ فيقول : لا ، ما ينبغي لأحد أن يرى الله ! فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله ، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها و ما فيها ، فيقال له : هذا مقعدك .
و يقال له : على اليقين كنت . وعليه مت . وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ، ويجلس الرجل السوء في قبره فزعاً مرعوباً فيقال له : فيما كنت ؟ فيقول : لا أدري . فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولاً فقلته . فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظروا إلى زهرتها وما فيها . فيقال له انظر إلى ما صرفه الله عنك ، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ، فيقال : هذا مقعدك على الشك كنت . وعليه مت . وعليه تبعث إن شاء الله تعالى .
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أقبر الميت ـ أو قال أحدكم ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر . و للآخر النكير
فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول ما كان يقول فيه : هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم . فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم ، فيقولان : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك . و إن كان منافقاً قال : سمعت الناس يقولون قولاً . فقلت مثله : لا أدري . فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض : التئمي عليه . فتختلف أضلاعه . فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك
قال حديث حسن غريب .
وأخؤج أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلاً نخلاً لبني النجار فسمع صوتاً ففزع ، فقال : من أصحاب هذه القبور ؟ قالوا : يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية ، فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر . ومن فتنة الدجال قالوا : و ممّ ذاك يا رسول الله ؟ قال : إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك ، فيقول له : ما كنت تعبد؟
فإن هداه الله . قال : كنت أعتبد الله , فيقال : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول هوعبد الله ورسوله . فما يسأل عن شيء غيرها . فينطلق به إلى بيت كان له في النار . فيقال له : هذا بيتك كان في النار ، ولكن عصمك ورحمك فأبدلك بيتاً في الجنة فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له : اسكن .
و إن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره و يقول : ما كنت تعبد ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول كما يقول الناس ... فيضرب بمطارق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين
وأخرج أبو داود أيضاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار . فانتهينا إلى القبر و لما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير
وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ، قال : وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له : من ربك ؟ و ما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله ، فيقولان له : وما يدريك ؟ قال : قرأت كتاب الله فآمنت وصدقت قال : فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة . و ألبسوه من الجنة . و افتحوا له باباً إلى الجنة , قال : فيأتيه من روحها و طيبها قال : و يفسح له مد بصره .
قال : وإن الكافر فذكر موته قال : وتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه . لا أدري ... فيقولان : ما هذا الرسول الذي بعث فيكم ؟ فيقول هاه هاه . لا أدري . قال : فينادي مناد : أن كذب عبدي . فأفرشوه من النار ، وألبسوه من النار ، وافتحوا له باباً إلى النار قال : فيأتيه من حرها وسمومها , ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.
وقد زيد في حديث جرير, قال : ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً قال : فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق و المغرب إلا الثقلين فيصير تراباً ، ثم تعاد فيه الروح .
فصل : ما ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب كشف علم الآخرة
وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله : ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره ؟ قال عليه الصلاة والسلام : يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت . فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول : يا عبد الله اكتب عملك . فيقول : ليس معي دواة ولا قرطاس فيقول : هيهات كفنك قرطاسك ، ومدادك ريقك ، وقلمك إصبعك . فيقطع له قطعة من كفنه . ثم يجعل العبد يكتب ، و إن كان غير كاتب في الدنيا ... فيذكر حينئذ حسناته و سيئاته كيوم واحد ، ثم يطوى الملك القطعة و يعلقها في عنقه
ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى في سورة الاسراء 13 : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه , أي عمله ، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر ، وهما ملكان أسودان ، يخرقان الأرض بأنيابهما ، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض ، كلامهما كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف ، ونفَسَهُما كالريح العاصف ، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد , لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه ، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكاً ، فإذا أبصرتْهُما النفس ارتعدت ، ووّلت هاربة فتدخل في منخر الميت, فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة ، ولا يقدر على حراك ، غير أنه يسمع وينظر , فيقعدانه فيبتدءانه بعنف وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيثما تحرك انفسح فيه , ووجد فرجة, فيقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وما قبلتك ؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال : ومن وكلكما علي ؟ ومن أرسلكما إلي ؟
وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار . فيقول أحدهما للآخر : صدق . كفي سرنا ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ،
ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها و يأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه ، يؤنسه ويحدثه
ويملأ قبره نوراً ، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة ، و يسأل : متى تقوم الساعة ؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها .
ودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظ من العلم ولا من أسرار الملكوت , يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول له : أما تعرفني ؟ فيقول : من أنت الذي من الله علي بك في غربتي ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ، فلا تحزن ولا توجل فعما قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش ، ثم يلقنه حجته فبينما هو كذلك ، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستنداً ويقولان : من ربك ؟ فيقول : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والقرآن إمامي ، والكعبة قبلتي ، وإبراهيم أبي ، وملته ملتي ، غير مُستعجم ، فيقولان له : صدقت ، و يفعلان به كالأول , إلا أنهما يفتحان له باباً إلى النار فينظر إلى حياتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها فيفزع فيقولان له : لا عليك سوء . هذا موضعك قد أبدله الله تعالى بموضعك هذا من الجنة . نم سعيداً , ثم يغلقان عنه باب هذا النار , ولم يدر ما مرّ عليه من الشهور والأعوام والدهور . ومن الناس من يُحجم في مسألته . فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول : الله ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره ناراً ثم تطفأ عنه أياماً . ثم تشتعل عليه أيضاً . هذا دأبه ما بقيت الدنيا . ومن الناس من يعتاص عليه و يعسر أن يقول : الإسلام ديني لشك كان يتوهمه ، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره ناراً كالأول ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : القرآن إمامي . لأنه كان يتلوه و لا يتعظ به . ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره فيفعل له ما يفعل بالأولين و من الناس من يستحيل عمله جرواً يعذب في قبره على قدر جرمه
وأما الفاجر فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ! فيقولان له : لا دريت و لا عرفت ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة ، ثم تنقضه الأرض في قبره . ثم يضربانه سبع مرات . ثم تفترق أحوالهم . فمنهم من يستحيل عمله كلباً ينهشه حتى تقوم الساعة ، وهم الخوارج ، ومنهم من يستحيل خنزيراً يعذب به في قبره وهم المرتابون ، وهم أنواع وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا . فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد وطبائع الخلق متفرقة نسأل الله السلامة والغفران . قبل الندامة
و في كتاب الأخبار هذه الرواية : أن في الناس من يستحيل عمله خنوصاً ـ وهو ولد الخنزير ـ ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول نبيي محمد , لأنه كان ناسياً لسنته ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته ، أو فساده في وضوئه ، أو التفات في صلاته ، أو اختلال في ركوعه وسجوده ، ويكفيك ما روي في فضائلها ، أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة ، ومن عليه ثوب حرام ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول إبراهيم أبي لأن سمع كلاماً يوماً أو همه أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً . فإذا هو شاك مرتاب ، فيفعل به ما يفعل بالآخرين .
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله : و كل هذه الأنواع كشفناها ( أي أظهرنانها وبيناها) في كتاب الأحياء .
فصل : جاء في حديث البخاري و مسلم : سؤال الملكين ، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتها . وجاء في حديث أبي داود : سؤال ملك واحد ، وفي حديثه الآخر : سؤال ملكين ولا تعارض في ذلك والحمد لله : بل كان ذلك صحيح المعني بالنسبة إلى الأشخاص قرب شخص يأتيانه جميعاً ويسألانه جميعاً في حال واحد عند انصراف الناس ليكون السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أشد وعظم وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واجترح من سيء الأعمال , وآخر يأتيه قبل انصراف الناس عنه , وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال .
و قد يحتمل حديث أبي داود وجهاً آخر وهو : أن الملكين يأتيان جميعاً ويكون السائل أحدهما ، وإن تشاركا في الإتيان فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل و رك غيره لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد ، ولو قاله هكذا صريحاً لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس . والله وحده أعلم بغيبه وأحكم
وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
و اختلفت الأحاديث أيضاً في كيفية السؤال و الجواب . و ذلك بحسب اختلاف أحوال الناس ، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته ، ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقص .
ووجه آخر هو : أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال . فيكون الإنسان مسؤولاً عن الجميع . كما جاء في حديث البراء المذكور.
و قول المسؤول : هاه هاه هي حكاية صوت المبهور من تعب أو جري أو حمل ثقيل , و الله أعلم .
فصل: ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم و في قبورهم
أخرجه أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد في مسنديهما وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية . وهناد بن السرى في زهده . وأحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم .